المادة السوداء التي تشوّه جينات اللبنانيين Share on Facebook Share on Twitter

نديم راشد

أينما تنظر تجدها مسيطرة. على الطرقات تغرز أنيابها في سلوكياتنا اليومية، في أروقة الإدارات الرسمية تدفعنا إلى مجاراة اللعبة، في دهاليز السياسة تجد طيفها مسيطراً على الدوام، حتّى إنّها ترشح من الجدران المحيطة بنا ومن آذاننا أيضاً فهي أضحت تجوب رؤوسنا بحرية وتدهس – بسلاسلة مدهشة في بعض الأحيان – الضمير الذي يُفترض أن يكبحها.
رغم بديهيتها ولونها الداكن سهل التمييز نجد أنفسنا غرباء عن تحديدها في كثير من الأحيان ولكنها موجودة وتنخر باطننا وحتى عظامنا، وربما تتسلّل إلى جيناتنا التي كانت حتى الأمس القريب تشعّ مبادرة وحباً بالاكتشاف والتميز. كانت تلك جينات اللبناني منذ وجوده والآن نشهد تنكيسها. نشهد سيطرة المادّة السوداء عليها. تلك المادّة التي تزحف من جحيم الفساد حاملة راية: البقاء للأكثر احتيالاً.
قد نختلف كثيراً في مجال عرض الآراء حول متى بدأ اجتياح مادة الفساد هذه لمجتمعنا. ولكن لنكن علميين قليلاً، فالجواب ليس بعيداً أبداً. لقد أمّنت صفقة إعادة انطلاق لبنان بعد الحرب الطعم اللازم لجذب هذا الزائر غير المحبّب فإفراغ دولتنا من الرقابة والمحاسبة والشفافية على قاعدة أن الاستقرار ثمنه حكم الطوائف بالتراضي وسيطرتها على المؤسسات شكّل الوقود اللازم لكي تحتفي المادّة بأحد أجمل ملاعبها في الكون... بلاد الأرز.
"الانتشار غير المسبوق للفساد في مؤسسات الدولة كان نتيجة طبيعية لاتفاق ما بعد الحرب في لبنان" تقول إحدى أبرز الدراسات حول الفساد في لبنان وتأثيره على الاقتصاد .
وبالفعل، فوتيرة انتشار الفساد في لبنان زادت على نحو ملحوظ خلال السنوات القاسية بعد الحرب التي كان من المفترض أن تكون سنوات إعادة إعمار وإعادة إنتاج للثقافة الوطنية؛ ولكن ذلك لم يحدث. ووصلنا اليوم إلى حال يُصنّف فيها لبنان أحد أكثر البلدان فساداً في العالم، فهو في المرتبة 134 عالمياً بين 183 بلداً، بحسب مؤشر مدركات الفساد .
ولهذا الفساد المشتري كلفة باهظة تفاقمت في ظلّ غياب العلاج. ووفقاً للتقديرات المتوفرة فإنّها تمثّل نحو 10% من الناتج المحلي الإجمالي، أي ما مقداره 4 مليارات دولار، ناتجة من ممارسات فاسدة مباشرة وغير مباشرة.
أمام هذا الواقع نحاول في موقعنا – Fasad Book - أن نغذي ذاك الضمير الذي أضحى خلال 20 عاماً متشحاً بالسواد، من الثقافة إلى السلوك وصولاً إلى صناديق الاقتراع. الضمير يجب أن يصرخ: ليس مسموحاً بعد الآن أن يُطوّب الفساد والمفسدين عوضاً عن عقابهم. نحاول في موقعنا أن نعيد الاعتبار للمادة الرمادية الناضحة بالذكاء في عقولنا، بعدما سيطرت على المساحة في جماجم معظمنا المادة السوداء. علّنا نضيء طريقاً في مجتمعنا بعيداً من الهلاك ونعيد إنتاج عقدنا الاجتماعي من دون فساد.