لبنان ينافس الأمم بفساده: هل يخفى القمر؟ Share on Facebook Share on Twitter

نديم راشد
ينحدر أمل اللبنانيين بغد أفضل تدريجاً مع كلّ فضيحة حول كيفية تدبير الشؤون العامة في البلاد. لا شك أن التطلّع إلى غد أفضل يجب أن يبقى راسخاً، والأهم هو أن البحث في تفاصيل المآسي التي تعاني منها البلاد على مختلف المستويات يلعب دوراً أساسياً في هذا الترسيخ.
آخر العناوين التي تولّد الغضب وتساهم في تنكيس راية اللبنانيين الاقتصادية والإنتاجية هو تقرير التنافسية العالمية الذي أصدره المنتدى الاقتصادي العالمي (WEF) أخيراً. هذا التقرير الذي بدأ إعداده منذ عام 2004، يستند إلى استبيانات ومعطيات مختلفة لتحديد مراتب 144 بلداً يشملها من حيث قدرتها على التنافس.
ورغم أن الكثير من الملاحظات يُمكن وضعها على كيفية إجراء استطلاعات الرأي وكيفية تثقيل العوامل التي تُشكل المؤشر، هناك أهمية لازمة للبحث بنتائجه ومعنى التقويم الذي يمنحه لكل بلد.
وإن كانت سويسرا تحل في المرتبة الأولى تليها سنغافورة – فيما تقبع سييرا ليون وبوروندي في كعب اللائحة – فإنّ لبنان ومن دون أي مفاجآت وخيبات أمل، يحلّ في المرتبة 91 وفقاً لهذا المؤشّر لعام 2012 – 2013، وهو بالكاد يتخطّى عتبة النجاح على سلّم نقاط بين واحد وسبع، إذ يُسجّل 3.88 نقطة. وهكذا تكون البلاد قد خسرت مرتبة إضافية مقارنة بالعام الماضي.
ليس غريباً أن تكون مرتبة لبنان متدنية إلى هذه الدرجة وخصوصاً أنّ البلاد تحل في المرتبة 142 – أي متقدمة على بلدين فقط – وفقاً لمؤشر "ثقة الشعب في السياسيين"، وبالتالي فإن تطلّع أطراف الإنتاج إلى مشاريع مجدية تعزّز التنافسية وترفع معدلات التنمية هو عند الحضيض.
اللافت في المؤشر وما يستحق البحث والتحليل هو تلك العوامل التي تُمثّل المشكلة الأكبر للبنان في مجال التنافسية، والتي جرى حصرها عبر استطلاع أجري لإعداد المؤشّر.
العائق الأوّل هو البنى التحية غير الملائمة لأداء الأعمال وزيادة التنافسية، طبعاً الجميع يوافق على هذا الوضع نظراً لضعف مقومات البنى التحتية أمام الاستثمارات وتحسين الإنتاج. فلنأخذ الكهرباء على سبيل المثال، على الرغم من أنّ 20 عاماً مضت على انتهاء الحرب التي هدمت مقومات هذا القطاع، لا يزال العجز في إنتاج الكهرباء عند 35% في الأحوال العادية، ويرتفع إلى 50% في أوقات الذروة فيما تصل معدلات الهدر الفني وغير الفني (السرقة) إلى مستويات خيالية. وهو وضع مخجل نظراً لصغر مساحة لبنان وعدد سكانه المنخفض. وفي مجال بحثنا يُمكن إيراد أن الصناعيين يرون أنّ عائق الطاقة هو الأوّل الذي يكبح تطورهم، فهم يُضطرون إلى إنتاج الكهرباء الخاصة لكي يُسيرو إنتاجهم؛ وبالتالي تنصب جهودهم الأساسية على تأمين الأساسيات عوضاً عن الابتكار وزيادة التنافسية.
العائق الثاني هو البيروقراطية غير الفعالة في المؤسسات الحكومية. وهنا أيضاً لا مجال للمجادلة. ففي ظل إهمال القطاع العام من حيث التوظيف وتحفيز الإنتاجية تراجعت الفعالية على نحو حاد. والأمثلة التي ترد على موقع فساد – بوك خير دليل على ذلك!
العائق الثالث هو عدم استقرار الحكومة – والانقلابات وفقاً لما يذكره التقرير. وفي الواقع يُمكن الاستنتاج من خلال دراسة تجربة لبنان السياسية والديموقراطية خلال السنوات السبع الماضية بالحد الادنى أنّ آليّة إنتاج السلطة في ظل النظام الطائفي القائم والمشوّه عشائرياً ومناطقياً لا تستطيع أن تولّد تركيبة حكم منتجة على نحو مقبول. فقد شهدت البلاد بين بداية عام 2005 ونهاية عام 2012، ست حكومات مختلفة، بمعدّل حكم لكل منها يبلغ 1.3 سنة فقط! وهكذا تبقى المشاريع الحيوية في القطاعات الأكثر حاجة – إن وُجدت تلك المشاريع – حبراً على ورق في أدراج مجلس الوزراء أو مجلس النواب.
العائق الرابع هو الفساد (وهل يخفى القمر!). وفي هذا الإطار يبدو التعليق قاصراً عن إيلاء تشريح واقع الزبائنية والفساد القائم: غياب الحسابات العامّة، الشبهة بسرقة أموال الشعب التي يدفعها بضرائب غير عادلة (بشهادة البنك الدولي نفسه وشركة Oracle الرائدة في مجال المعلوماتية والتنظيم الإداري)، الصفقات التي تتمّ في الوزرات، استخدام الهبات والاعتمادات والمخصصات لغير غايتها... وإلى ما ذلك من الأمثلة المقزّزة التي تُعكّر ذهن وأمل كلّ لبناني لدى قراء الصحيفة كل صباح.
العائق الخامس هو عدم الاستقرار السياسي، ويُمكن ربط هذا العائق مباشرة بمعضلة عدم استقرار الحكومة في بية من التجاذب السياسي الحاد بين أفرقاء الحكم والاستلاب الواضح لمشاريع مختلفة إقليمية وعالميّة. ليس غريباً أن يكون أي بلد منقسماً بالشكل الموجود في لبنان – طبعاً مع الأخذ بعين الاعتبار حالات إعادة التموضع في التحالفات القائمة – ولكن الانقسامات السياسية تكون إجمالاً بهدف الصالح العام وإغراء الناخبين والجماهير عموماً عبر أوراق المشاريع وخطط التنمية. بيد أن الشكل الذي يأخذه الانقسام في لبنان (8 و14!( يُشوّه الحياة السياسية تماماً ويجعلها حالة من الصراع غير المجدي.
العائق السادس - وهنا فقط يبدأ التقرير بالإشارة إلى المعوقات التقنية – هو صعوبة الحصول على التمويل. فعلى الرغم من تمتع لبنان بنظام مصرفي بحجم يناهز 150 مليار دولار، إلا أن فرص الحصول على قروض للاستثمار والتوظيف لا تنفك تزداد صعوبة. وحتى القروض المدعومة – التي صيغت بخجل في إحدى المراحل لتصريف فائض السيولة – تبدو محرّمة على الكثيرين في ظلّ تركيز المصارف التجارية على القروض الشخصية (قروض استهلاكية وقروض إسكان في قطاع عقاري تسيطر عليه أسعار خيالية).
وإلى هذه العوائق هناك باقة مختلفة من الكوابح أمام تطوير الإنتاجية والتنافسية، يُمكن ذكرها: التضخم؛ ضعف القدرة على الابتكار؛ تدهور أخلاقيات العمل لدى القوى العاملة؛ مستوى تعليمي غير ملائم لقوة العمل؛ قوانين مقيدة في قطاع العمل؛ ضعف القطاع الصحي؛ القوانين الضريبية.
... هكذا لا يتمكن لبنان من التقاط أنفاسه للمنافسة في مؤشر التنافسية بين الأمم. وهو رغم تقدمه على أربعة بلدان عربية – هي مصر (107)، الجزائر (110)، ليبيا (113)، اليمن (140) – إلا أنه متأخر وراء جميع البلدان على اللائحة العربية التي تتصدرها قطر.
يعود ذلك بالدرجة الأولى إلى سوء استخدام الموارد التي تتمتع بها البلاد، وحتى عندما تُستغل الموارد غالباً ما تكون التجربة مشوبةً بالفساد.

Attachement: