من يتسامح مع الفساد، ومن يدعو إليه، ينتقص من أهمية المؤسسات التي تعتبر شرطاً أساسياً للنمو الاقتصادي، وذلك يؤدي إلى إدامة الفقر والظلم والبؤس. كما أن المتنافسين الذين يعتمدون على الفساد في الارتقاء بأعمالهم إنما يرتكبون خيانة بحق الشروط الأساسية لاقتصاد السوق، وذلك لأن التقسيم الحديث للعمل يعتمد على استثمار ما يعرفه الناس، وليس على من يدفع الرشوة الأكبر.

مجدداً يُكيل البنك الدولي انتقادات حادّة لكيفية إدارة المال العام اللبناني، إذ يُشدّد في تقرير أصدره أخيراً على أنّ الإصلاحات في هذا المجال تبقى متأخرة كثيراً. ويقول إن ذلك يُضعف الصدقية والشفافية في هذا الميدان.

نديم راشد

أينما تنظر تجدها مسيطرة. على الطرقات تغرز أنيابها في سلوكياتنا اليومية، في أروقة الإدارات الرسمية تدفعنا إلى مجاراة اللعبة، في دهاليز السياسة تجد طيفها مسيطراً على الدوام، حتّى إنّها ترشح من الجدران المحيطة بنا ومن آذاننا أيضاً فهي أضحت تجوب رؤوسنا بحرية وتدهس – بسلاسلة مدهشة في بعض الأحيان – الضمير الذي يُفترض أن يكبحها.
رغم بديهيتها ولونها الداكن سهل التمييز نجد أنفسنا غرباء عن تحديدها في كثير من الأحيان ولكنها موجودة وتنخر باطننا وحتى عظامنا، وربما تتسلّل إلى جيناتنا التي كانت حتى الأمس القريب تشعّ مبادرة وحباً بالاكتشاف والتميز.

تراجع الاهتمام كثيراً بالجرائم الموصوفة التي ارتكبها القيّمون على إدارة المال العام في الفترة السابقة، فلم تعد هذه الجرائم تمثّل مادة اشتعال في السجال السياسي. جريمة جديدة جرى الكشف عنها أخيراً تتعلّق بإصدار وزارة المال حوالتين في عام 1997 لمصلحة مديرية الدفاع المدني، تحملان الرقم نفسه ولكن بقيمتين مختلفتين والنتيجة: اختلاس 19 ملياراً و150 مليون ليرة

محمد زبيب

«نجّح» المدير العام لقوى الأمن الداخلي جميع المتقدمين إلى الاختبار النفسي للتطوع بصفة تلامذة ضباط، متجاوزاً مجلس قيادة المديرية، بالرغم من اتهامه بالتلاعب بالنتائج، فيما عقد مجلس الوزراء جلسة هادئة وشكل لجنتين، إحداهما لبحث آلية اعتراض المخابرات

«هلكت» الحكومة العمال والموظفين بالتصريحات التي تعتبر أن أي زيادة على الأجور ستؤدي إلى انهيار الاقتصاد. وبعد أخذ ورد طال أشهراً، أقرت الحكومة زيادة هزيلة للقطاع الخاص، وأدخلت موظفي القطاع العام في دوامة المماطلة. ليتبين أن رواتب المسؤولين سترتفع الى مستويات قياسية، ولكن ماذا عن رواتبهم قبل الزيادة؟

أزمة الكهرباء: مزراب مفتوح يصبّ في وعاء مثقوب
كيف تواجه «شركات الخدمات» تحسين الجباية مع تراجع التغذية؟

عدنان الحاج

ينطبق على وضعية أزمة الكهرباء في لبنان مثل «المزراب المفتوح الذي يصب في سلة أو وعاء مثقوب»، ما يتسبب بالهدر من فوق ومن تحت. من هنا كان السباق بين من يقول بسد المزراب أولاً، أو بمعالجة السلة بترقيعها لتخفيف إهدار الطاقة. المعادلة صعبة جداً في غياب الحد الأدنى من الأجهزة القادرة في القطاع العام والإدارات والمؤسسات العامة الاستثمارية على القيام بأي من الخطوتين بالجملة أو المفرق.

لا تُبدي مكوّنات هذه الحكومة أي نيّة في إحداث تعديلات، ولو طفيفة، على السياسات العامّة، التي تعدّ الموازنة الأداة الرئيسة لتحقيقها. فمشروع موازنة عام 2013، الذي أنجزته وزارة المال أخيراً، لا يختلف بشيء عن المشاريع السابقة، بل ينطبق عليه المثل الشائع «عنزة ولو طارت»، ولا سيما لجهة الإصرار على زيادة وفرض ضرائب موجعة للفئات الاجتماعية الضعيفة، ومراعاته للمصالح الراسخة في النموذج الريعي القائم

كان لافتاً أن يناقش الوزراء يوم جلسة 5 أيلول الشهيرة مشروعي «سلسلة الرتب والرواتب ومصادر تمويلها» و «سلفة بقيمة 550 مليار ليرة لوزارة الأشغال العامة». لم يعِ الوزراء أن النقاش في المسألتين دفعهم إلى انفصام في الفكر. فإقرار المشروع الأول كان مشروطاً بتوفير التمويل له، فيما الثاني أقرّ بلا أي تمويل. إنه صيف وشتاء تحت سقف الحكومة!

فضائح المخالفات المالية لم تنته فصولاً بعد. آخر نسخة تنطوي على سلوك يثير الكثير من الشبهات؛ فالهيئة العليا للإغاثة تصرّفت بحسابات مجلس الإنماء والإعمار بعلم مصرف لبنان، ورغم أن صلاحية تحريك الحسابات بيد رئيس المجلس نبيل الجسر ورئيس المحاسبة لدى المجلس إيلي رحيم

محمد وهبة
فصل جديد من فصول التلاعب بالمال العام تظهره وثائق كشف عنها النائب نبيل نقولا، تؤكّد «اختفاء» نحو 20 مليون دولار من حسابات مجلس الإنماء والإعمار لدى مصرف لبنان. المؤكّد أن هذا المبلغ لم يتبخّر، وأن هناك، بالضرورة، من استولى عليه بعلم مصرف لبنان ورئاسة الحكومة في عهد الرئيس السابق سعد الحريري وموافقتهما.

إعادة الإعمار؟